فوزي آل سيف
17
الإمام المهدي : عدالة منتظرة ومسسؤولية حاضرة
وبيان ذلك : أن العلماء يتحدثون عن أن الروايات والأحكام هي على أقسام ؛ فمنها ما يكون داخلا تحت عنوان ( حلال محمد حلال أبدا إلى يوم القيامة وحرامه حرام أبدا إلى يوم القيامة لا يكون غيره ولا يجيء غيره)[54]وهناك من الأحكام والروايات ما جاء لينظم قضية ذات زمان ومكان وأشخاص محددين مثل ما صنع النبي بالنسبة إلى تحريم الحُمُر ( جمع حمار ) الأهلية، فإن من المعروف عند المسلمين أن النبي نهى عن أكل هذه الحمر في خيبر ، بل وأكفأ بعض القدور التي كانوا يريدون أن يطبخوا فيها تلك الحمر.. وبينما التزم فقهاء مدرسة الخلفاء بحرمة أكل لحم الحمار الأهلي إلى يومنا هذا[55]فإن فقهاء الإمامية لم يلتزموا بالحرمة ، وإنما قالوا بجواز ذلك مع كراهة ، والسبب هو ما جاء عن أئمة أهل البيت من أن ذلك المنع إنما كان حكما ولائيا لظرف خاص وهو أن ( الحمر الأهلية في خيبر كانت حمولة الناس )[56] للانتقال ولحمل الغنائم . فمنع النبي من ذبحها . الخواجة نصير الدين الطوسي رحمه الله استفاد من هذه الفكرة في التقسيم والتمييز بين أوامر ونواهي المعصومين ، وقال إن منع التسمية باسم الامام المهدي هو من هذا القبيل وأنه كان مربوطا بزمان معين ، وقد انقضى ذلك الزمان ، ولذلك فالرأي السائد بين الإمامية الآن هو جواز التسمية بالاسم الصريح والاشارة الكاملة للإمام عليه السلام. الأمر الآخر في موضوع اسم الامام المهدي هو أنّه قد ورد في بعض مصادر مدرسة الخلفاء أنّ اسم المهدي هو {محمد بن عبد الله } أو أنّ النبي صلى الله عليه وآله قال ( اسمه اسمي واسم ابيه اسم ابي) ويتمسك بعض المخالفين للإمامية بتلك الروايات ليقولوا أن ( مهدي الشيعة ) يختلف عن ( مهدي السنة ) فهذا الثاني اسم ابيه عبد الله ، والأول اسم ابيه الحسن ! الجواب عن ذلك : اننا نعتقد أن الروايات التي ورد فيها (واسم ابيه اسم ابي ) هي نتاج الفترة العباسية وبالتحديد زمان المنصور العباسي ، ففيه كان الصراع بين العباسيين والعلويين وبالذات احفاد الامام الحسن المجتبى في ذروته ، وكان بين أحفاد الحسن بن علي شخصية بارزة ومهمة لقب (بالنفس الزكية) واسمه محمد بن عبد الله بن الحسن، وقد شاع بين قسم من هؤلاء أنّ هذا هو الذي تحدث عنه النبي صلى الله عليه وآله لأن النبي يعتبر أن المهدي من نسل فاطمة لأنه من أبناء الحسن ويقول اسمه اسمي واسمه مطابق له واسم أبيه عبد الله وكذلك اسم والد النبي إذاً هذا ينطبق عليه علامات المهدي، فكان من الطبيعي أن يقوم المؤيدون[57] لبني الحسن بنشر هذه الفكرة لاستقطاب الاتباع . ولا ريب أن هذا كان سلاحا مؤثرا في التحشيد وتعبئة الأنصار لبني الحسن وللنفس الزكية تحديدا . في مقابل ذلك جاء العباسيون وارادوا أن يستخدموا نفس السلاح ، وكان للمنصور العباسي واسمه عبد الله وكنيته أبو جعفر ، ولد اسماه محمدا ، ولقبه بالمهدي ، فصار هذا محمد بن عبد الله المهدي ، أيضا ينطبق عليه ( اسمه اسمي واسم ابيه اسم ابي )! وحاولوا أن ينشروا بين اتباعهم وأنصارهم أن هذا هو الذي جاء ذكره في الروايات ، مناكفة منهم لأعدائهم بني الحسن ! وكأنه اجتمع في هذه الفترة العباسية الطرفان المتعاديان على نشر فكرة ( اسم ابيه اسم أبي ) وكل منهم يستفيد منها بحسب تفسيره لها ، مع أنها كما يعتقد الباحثون ليست موجودة في أصول هذه الأحاديث ، وأن مجموع الروايات في المهدي يمتنع أن ينطبق على أي منهما .
--> 54 ) صحيحة زرارة المروية في الكافي 1 / 58 55 ) قال ابن قدامة المقدسي في المغني 11/ 65 " أكثر أهل العلم يرون تحريم الحمر الأهلية ، قال أحمد خمسة عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كرهوها ، قال ابن عبد البر لا خلاف بين علماء المسلمين اليوم في تحريمها ..". 56 ( سأل زرارة ومحمد بن مسلم أبا جعفر عليه السلام عن أكل لحوم الحمر الأهلية ، فقال : نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عنها وعن أكلها يوم خيبر وإنما نهى عن أكلها في ذلك الوقت لأنها كانت حمولة الناس ، وإنما الحرام ما حرم الله عز وجل في القرآن . الكافي 6/ 246 57 ) قد يكون ذلك بسبب الجهل المركب ، وقد يكون مع العلم عند بعضهم بعدم صحة ذلك.